حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

306

شاهنامه ( الشاهنامه )

وركب وطاف على الإيرانيين وعزاهم عن نفسه ووعظهم ونصحهم . ذهاب الملك كيخسرو إلى الجبل واختفاؤه في البرد ثم أمر لهراسب بالانصراف عنه والعود إلى تخت الملك وقال : إياك أن تزرع في الدنيا غير الخير . ومتى رأيت أن نفسك قد رغبت في الراحة ، وزهدت في الملك والمال فاعلم أن وقتك قد انتهى فلا تعدل عن العدل والإنصاف ، وخلص نفسك عن المكاره والأسواء . وفنزل لهراسب وقبل الأرض وودّعه . وسار الملك ، وصحبه رؤوس الإيرانيين مثل دستان ورستم وجوذرز وجيو وبيژن وكُستَهم وفريبُرز وطوس ، وسار إلى أن صعد إلى جبل فأقاموا عليه أسبوعا . وخرج في أثره نساء الإيرانيين ورجالها زهاء مائة ألف نفس يبكون ويضجون حتى طن ّ بصياحهم وعويلهم السهل والجبل . ثم بعد أسبوع أشار الملك على الأكابر والسادات بالانصراف من ذلك المكان ، وقال : إن أمامنا طريقا صعبا لا ماء فيه ولا عشب . فانصرف دستان ورستم وجوذرز وبم ينصرف عنه الباقون . فسار الملك وساروا معه حتى وصلوا إلى ماء فنزلوا هناك . وقال لهم الملك : إذا طلعت الشمس غدا حان وقت المفارقة . فباقوا ليلتهم عند العين . ولما كان في الثلث الأخير من الليل قام الملك ودخل العين واغتسل . ثم ودّعهم وقال : إن الثلج غدا يسدّ عليم الطريق فلا تهتدون إلى الرجوع إلى إيران . بحث الأبطال عن الملك كيخسرو بين الثلوج وعدم عثورهم عليه ولما طلعت الشمس ركب الملك وغاب عن أعينهم فهاموا على وجوههم في تلك الجبال والرمال يطلبونه ويبكون عليه . فلما لم يروا منه أثرا عادوا إلى تلك العين فنزلوا ساعة ، وقالوا : نستريح ثم نرتحل راجعين . وجعلوا يتعجون من الحالة التي شاهدوها ، ويقولون : لم نسمع قط بأن أحدا في حالة حياته ينتقل إلى جوار اللّه الكريم . وبقوا على تلك الحالة يبكون ويتأسفون ثم تناولوا شيئا كان معهم وناموا ساعة . فتغيمت السماء ، واشتدّ الهواء ، ومطروا ثلجا غابت فيه من كثرته رماحهم القائمة . وبقوا يضطربون تحت الثلج حتى هلكوا أجمعين [ 1 ] .

--> [ 1 ] قصة انقباض كيخسرو واعتزاله وإصعاده في الجبل وارتفاعه إلى السماء حيا تشبه قصة في الحماسة الهندية العظيمة ( المهابهارته ) حيث يعتزم يُدهشترا أن يعتزل الملك ، ويقتدى به إخوته ويودّعهم الرجال والنساء ثم يرجع المودّعون ، ويستمرّ السائحون في رحلتهم حتى تعترضهم صحراء عظيمة فيهلكون في رمالها ما عدا يدهشترا . فيسير قد ما لا يلتفت إلى شيء ، ومن ورائه كلبه ، حتى يدخل السماء حيا .